أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

193

العقد الفريد

كيما أقول : فراق لا لقاء له * وتضمر النّفس يأسا ثم تسلاها وهذه المذاهب كلها خارجة في معناها ، جارية في مجراها . وقال عبد اللّه بن جندب : ألا يا عباد اللّه ، هذا أخوكم * قتيلا فهل منكم له اليوم واتر خذوا بدمي إن متّ كلّ خريدة * مريضة جفن العين والطّرف ساهر « 1 » وقال صريع الغواني في ضد هذا : أديرا عليّ الرّاح لا تشربا قبلي * ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي « 2 » وقول عبد اللّه بن جندب أحسن في هذا المعنى ، لأنه إنما أراد أن يدل على موضع ثأره واسم قاتله ، ولم يرد الطلب بالثأر ، ولأنه لا ثأر له . وقد قال عبد اللّه بن عباس ، ونظر إلى رجل مدنف « 3 » عشقا : هذا قتيل الحب . لا عقل ولا قود « 4 » . وقال الفرزدق وأراد مذهب ابن جندب فلم تؤاته رقة الطبع ، فخرج إلى جفاء القول وقبحه فقال : يا أخت ناجية بن سامة إنني * أخشى عليك بنيّ إن طلبوا دمي لن يتركوك وقد قتلت أباهم * ولو ارتقيت إلى السماء بسلّم وقال ابن أخت تأبط شرا يرثي خاله وقتلته هذيل : شامس في القرّ حتى إذا ما * ذكت الشّعرى فبرد وظلّ « 5 » ظاعن بالحزم حتى إذا ما * حلّ حلّ الحزم حيث يحلّ

--> ( 1 ) الخريدة : اللؤلؤة لم تثقب ( 2 ) الذّحل : الثأر والحقد . ( 3 ) المدنف : الذي اشتد مرضه . ( 4 ) القود : القصاص . ( 5 ) شامس : ذو شمس .